الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
239
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
طرفا من الملاحم قال : إذا كثرت فيكم الأخلاط ، واستوت الأنباط ، دنا خراب العراق . ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل وأنهار . فإذا غلت فيها الأسعار ، وشيّد فيها البنيان ، وحكم فيها الفسّاق ، واشتدّ البلاء ، وتفاخر الغوغاء ، دنا خسوف البيداء ، وطاب الهرب والجلاء ، وستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير ، ويعطب الكبير ، ويخرس الفصيح ويبهت اللبيب . يعاجلون بالسيف صلتا . وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون . فيا لها من مصيبة حينئذ من البلاء العقيم ، والبكاء الطويل ، والويل والعويل ، وشدّة الصريخ ، ذلك أمر اللّه وهو كائن وفناء سريع . فيا ابن خيرة الآباء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من ربّ رحيم . ألا فويل للمتكبّرين عند حصاد الحاصدين ، وقتل الفاسقين ، عصاة ذي العرش العظيم . فبأبي وامّي من عدّة قليلة أسماؤهم في الأرض مجهولة . قد دان حينئذ ظهورهم ولو شئت لأخبرتكم بما يأتي ، ويكون من حوادث دهركم ، ونوائب زمانكم . وبلايا أيّامكم ، وغمرات ساعاتكم ، ولكنهّ أفضيه إلى من أفضيه إليه مخافة عليكم ، ونظرا لكم ، علما منّي بما هو كائن ، وما يلقون من البلاء الشامل . ذلك عند تمرّد الأشرار ، وطاعة اولي الخسار . ذاك أو ان الحتف والدمار . ذاك إدبار أمركم ، وانقطاع أصلكم وتشتت أنفسكم ، وإنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، وانتشار الفسوق حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال ، حين لا تنال المعيشة إلّا بمعصية اللّه في سمائه ، حين تسكرون من غير شراب ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتظلمون من غير منفعة ، وتكذبون من غير إحراج . تتفكهون بالفسوق ، وتبادرون بالمعصية . قولكم البهتان ، وحديثكم الزور ، وأعمالكم الغرور . فعند ذلك لا تأمنون البيات . فيا له من بيات ما أشدّ ظلمته ، ومن صائح ما أفظع صوته . ذلك بيات لا يتمنّى صباحه صاحبه . فعند ذلك تقتلون ، وبأنواع البلاء تضربون ، وبالسيف